مركز الثقافة والمعارف القرآنية
542
علوم القرآن عند المفسرين
2 - إن الكلام البليغ - وإن عجز البشر عن الإتيان بمثله - لا يكون معجزا ، فان معرفة بلاغته تختص ببعض البشر دون بعض ، والمعجز لا بد وأن يعرف إعجازه جميع أفراد البشر ، لأن كل فرد منهم مكلف بتصديق نبوة صاحب ذلك المعجز . الجواب : وهذه شبهة تشبه ما تقدمها في ضعف الحجة ، وتفكك القياس . فإن المعجز لا يشترط فيه أن يدرك اعجازه كل البشر ، ولو اشترطنا ذلك لم يسلم لنا معجز أصلا ، فان ادراكه يختص بجماعة خاصة ، ويثبت لغيرهم بالنقل المتواتر . وقد ذكرنا امتياز القرآن عن غيره من المعجزات ، بأن التواتر قد ينقطع في مرور الزمان . وأما القرآن فهو معجزة باقية أبدية ببقاء الأمة العربية ، بل ببقاء من يعرف خصائص اللغة العربية ، وإن لم يكن عربيا . وقالوا : 3 - إن العارف باللغة العربية قادر على أن يأتي بمثل كلمة من كلمات القرآن . وإذا أمكنه ذلك أمكنه أن يأتي بمثل القرآن ، لأن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد . الجواب : إن هذه الشبهة لا تليق بالذكر ، فإن القدرة على الإتيان بمثل كلمة من كلمات القرآن ، بل على الإتيان بمثل جملة من جملاته لا تقتضي القدرة على الإتيان بمثل القرآن ، أو بمثل سورة من سوره ، فان القدرة على المادة لا تستلزم القدرة على التركيب . ولهذا لا يصح لنا أن نقول : إن كل فرد من أفراد البشر قادر على بناء القصور الفخمة ، والصروح الضخمة ، لأنه قادر على وضع آجرة في البناء ، أو نقول : إن كل عربي قادر على إنشاء الخطب والقصائد ، لأنه قادر على أن يتكلم بكل كلمة من كلماتها ومفرداتها . وكأن هذه الشبهة هي التي دعت « النظام » وأصحابه إلى القول بأن إعجاز القرآن بالصرفة . وهذا القول في غاية الضعف : أولا : لأن الصرفة التي يقولون بها ، إن كان معناها أن الله قادر على أن يقدر بشرا على أن يأتي بمثل القرآن ، ولكنه تعالى صرف هذه القدرة من جميع البشر ، ولم يؤتها لأحد منهم فهو معنى صحيح ، ولكنه لا يختص بالقرآن ، بل هو جار في جميع المعجزات . وإن كان معناها أن الناس قادرون على أن يأتوا بمثل القرآن ، ولكن الله صرفهم عن معارضته فهو واضح البطلان ، لأن كثيرا من الناس تصدوا لمعارضة القرآن ، فلم يستطيعوا ذلك ، واعترفوا بالعجز .